|
القرآن الكريم
هو آخر الكتب الإلهية نزولاً، وقد ضمنه الله تعالى كل أنواع الهداية التي يحتاجها الإنسان في حياته على هذه الأرض، كما ضمنه الثوابت التي نزلت بها الكتب السابقة والتي لا تتغير بتغير الزمان كما أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى في سورة الشورى: ﭿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭾ [الشورى: ١٣]
وكما قال في سورة المائدة: ﭿ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭾ المائدة: ٤٨. وقال أيضا : ﭿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﭾ [النجم: ٣٦ – ٤١].
وقال في سورة الأعلى: ﭿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭾ [الأعلى: ١٦ – ١٩].
أما الشرائع الإلهية فأصولها ثابتة لا تتغير بتغير الزمان، ولكن فروعها هي التي تتغير مراعاة لمصالح العباد بحسب الزمان والمكان، ومن ثم جاء قوله تعالى: ﭿ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﭾ [المائدة: ٤٨] أي: على شريعة واحدة.
حاجة الإنسان إلى هداية القرآن:
خلق الله الإنسان متميزاً عن غيره من المخلوقات، وذلك بما أودعه من الطاقات والقدرات وبما منحه من الملكات والخصائص، فكان بحق مخلوقاً متفردًا عن الملائكة، مختلفًا عن الحيوانات والجمادات، فقد وهبه الله عقلا مفكرًا، وإرادة حرة، واختيارًا بين سبيل الخير وسبيل الشر، كما أعطاه وسائل تحصيل العلم والمعرفة من سمع وبصر وغيرها من الحواس، والتي تعتبر النوافذ التي يطل منها العقل على الوجود، وعن طريقها يدرك ويحكم، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقائق بقوله تعالى: ﭿ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﭾ [النحل: ٧٨]
وقال أيضا : ﭿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭾ الإسراء: ٣٦
ويلاحظ أن مجال الحواس محصور في عالم الشهادة، ذلك أن هذه الحواس ليس باستطاعتها الوصول إلى عالم الغيب، الذي ينفرد الخالق بعلمه، ومن ثم فحدود العقل البشري لا تمكنه من أن يحكم في عالم الغيب.
وحتى في حدود عالم الشهادة، لا يستطيع العقل والحواس أن يصلا دائمًا إلى الرؤية الصحيحة والأحكام الصائبة، دون استعانة بهداية خارجية، ذلك أن حاسة البصر، مثلاً لا يمكنها الرؤية في الظلام الدامس والليل البهيم، إلا إذا استعانت بمصباح ينير لها الظلمة، ويكشف لها الطريق.. ومن ثم فقد جعل الله كتبه الإلهية هي النور الذي يضيء للعقل سبيل الهداية، ويرفع عن الأعين غاشية الأبصار، فتبدو الحقيقة جلية واضحة كالشمس في رابعة النهار.
وهكذا وصف الله القرآن بأنه: ﭿ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﭾ [البقرة: ١٨٥]، كما وصفه بأنه نور في قوله تعالى: ﭿ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﭾ [التغابن: ٨]، وقوله جلّ جلاله: ﭿ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭾ [النساء: ١٧٤] .
وقوله جلّ جلاله: ﭿ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭾ [إبراهيم: ١ ] ، فحاجة البشرية إلى هداية القرآن حاجة حقيقية ملحة، وقد تفضل الله على خلقه بهذه النعمة العظيمة وبين أثرها عليهم بقوله تعالى: ﭿ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭾ [يونس: ٥٧].
هداية للتي هي أقوم:
إن هداية القرآن تمتاز عن كل أنواع الهدايات الأخرى بأنها الأقوم والأفضل كما وصفها الله تعالى بقوله: ﭿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭾ [الإسراء: ٩]، وكما قال جلّ جلاله: ﭿ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭾ [الكهف: ١ – ٢].
والتي هي أقوم: صفة لموصوف محذوف، وإنما حذف ليفيد العموم، وليشمل كل شيء يحتاج إلى هداية، فيمكن أن نقول مثلا إن القرآن يهدي للأهداف التي هي أقوم، وللوسائل التي هي أقوم وللعقائد التي هي أقوم، وللحضارة التي هي أقوم.. وهكذا..
وهذا الكلام العام إذا ما وضع موضع التحقيق والتدقيق في كل جزئية من الجزئيات التي عرض لها القرآن تبين صدق ذلك واطمأن به القلب وانشرح له الصدر وأذعن له العقل، ذلك أن هداية القرآن هداية إلهية، هداية الخالق لمن خلق، هداية العالم بأسرار الخلق، هداية العالِم بما جُبل عليه النفوس، هداية العالم بحاجات عباده، هداية العالم بما يحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة.
ومن ثم فقد كان الإعراض عن هذه الهداية، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير مدعاة لبؤس الإنسان وشقائه في الدنيا والآخرة، وقد قال الله تعالى في ذلك: ﭿﭿﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭾ [طه: ١٢٤ – ١٢٦]
إن حياة العباد لا يمكن أن تستقيم إلا بمنهج خالق العباد، والذين يحاولون البحث عن منهج آخر غير منهج الله، لابد أن يصلوا إلى حياة التعب والضنك في دنياهم، ولابد أن يحشروا عُمْياً يوم القيامة جزاء على إعراضهم عن بصائر ربهم في الحياة الدنيا، ليكون الجزاء من جنس العمل، وبذلك يُنْسَونَ كما نسوا آيات ربهم...
إن الاستقامة على منهج الله هي التي ترفع الإنسان وتباركه وتزكيه وتقربه من خالقه، ومن ثم جاء التأكيد عليها في قوله تعالى: ﭿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭾ [الأنعام: ١٥٣].
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، حينما خط بيده خطاً مستقيماً وقال: "هذه سبيل الله" ثم خطّ عن يمينه خطوطاً وعن يساره خطوطاً ثم قال: "هذه سبل، على رأس كل منها شيطان يدعو الناس إليه".
وهكذا فالذي يدعو إليه القرآن "يهدي للتي هي أقوم" والذين يدعون لغير ما جاء به القرآن إنما "يبغونهاً عوجاً" وشتَّانَ شتَّانَ بين الاستقامة والاعوجاج..
القرآن
لفظ " القرآن " في الأصل مصدر بمعنى القراءة، ثم أصبح بنـزول القرآن علماً شخصياً عليه، قال الله تعالى: ﭽ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭼ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ [الإسراء: ٩].
الكتاب
ومن أسماء القرآن "الكتاب"، ويرى الراغب الأصفهاني أن " الكتاب " في الأصل مصدر سميّ المكتوب فيه كتاباً، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه.
وكما سمّى الله تعالى ما نزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الوحي قرآناً، فقد سمّاه "كتاباً" أيضاً، فقال: ﭽ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭼ [البقرة: ٢]، وقال عزوجل: ﭽﭤ ﭥ ﭦ ﭼ [إبراهيم: ١].
وكما روعي في تسميته "قرآناً" كونه متلوّاً بالألسن روعي في تسميته "كتاباً" كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وكما أن "القراءة" هي ضم الألفاظ بعضها إلى بعض في النطق، فإن الكتابة هي ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط.
وهذا اللقب لا يعني فقط أن هذا المسمّى جامع للسور والآيات، أو أنه مجموع تلك السور والآيات، من حيث هي نصوص مؤلفة على صفحات القلوب أو من حيث هي نقوش مصفوفة في الصحف والألواح، أو من حيث هي أصوات ومرتّلة منظومة على الألسنة، بل يعني شيئاً أدق من ذلك كله، وهو أن الكلام قد جمع فنون المعاني والحقائق، وأنه قد حشدت فيه كتائب الحكم والأحكام، فإذا قلت "الكتاب" أو "القرآن"، كنت كأنما قلت: "الكلام الجامع للعلوم"، أو: " العلوم المجموعة في كتاب".
الفرقان
ومن أسماء القرآن "الفرقان" قال تعالى: ﭿ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭾ [الفرقان: ١]، وقال عزوجل: ﭿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭾ [البقرة: ١٨٥]
والفرقان: مصدر سميّ به كتاب الله، وقد يكون بمعنى اسم الفاعل لفرقه بين الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والصالح والطالح في الأعمال.
وقد يكون المصدر بمعنى اسم المفعول، كما أشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﭿ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭾ [الإسراء: ١٠٦].
قال الراغب: أي بينا فيه الأحكام وفصّلناه، وقيل " فرقناه" أي: أنزلناه مفرّقاً، و"الفرقان" مما يشترك فيه القرآن مع الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، وذلك باعتبارها كلها فارقة بين الحق والباطل، قال تعالى: ﭿ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﭾ [البقرة: ٥٣]، وقال تعالى: ﭿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﭾ [الأنبياء: ٤٨] وقال تعالى: ﭿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭾ [آل عمران: ٣ – ٤].
الذكر
ومن أسماء القرآن "الذكر"، قال تعالى: ﭿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚﭾ [الأنبياء:٥٠]
وقال سبحانه: ﭿﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﭾ [الحجر: ٦]، وقال سبحانه: ﭿﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﭾ [الحجر: ٩].
وسميّ القرآن ذكراً، لأنه يذكّر الناس بآخرتهم وإلههم، وما كانوا في غفلة عنه، فهو ذكر لهم، وبميثاق الفطرة الذي أخذه الله على بني آدم، ولما فيه من التحذير والمواعظ وأخبار الأمم السابقة.
وقد يكون "الذكر" بمعنى الشرف، كما في قوله تعالى: ﭿ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﭾ [ الزخرف: ٤٤]، وقوله جل جلاله: ﭿ ﭑﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭾ [ص: ١]، وقوله: ﭿﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﭾ [الأنبياء: ١٠]
وهذه الأسماء المتفق عليها عند علماء القرآن، وأما ما يذكره بعضهم من أسماء كثيرة للقرآن قد تصل إلى التسعين فإنها في الواقع من باب الأوصاف وليست من باب الأسماء.
معنى " القرآن " في الاصطلاح
الذي هو محل اتفاق أن تعريف القرآن إنما هو من قبيل التقريب لا من قبيل التحقيق، وأنه يقصد به تمييز القرآن عن غيره مما قد يشاركه في بعض صفاته ولو توهماً.
وقد عُرّف القرآن بتعريفات كثيرة بعضها مطول، وبعضها مختصر، وكلها تؤدي إلى نتيجة واحدة، ونختار من هذه التعريفات:
أن القرآن الكريم "هو كلام الله تعالى المنـزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم المعجز المتعبد بتلاوته المنقول إلينا بالتواتر"، أما كونه كلام الله، فقد أشير إليه بقوله تعالى: ﭿ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﭾ [التوبة: ٦]، وبهذا الوصف "كلام الله"، يخرج من التعريف كل كلام آخر غير كلام الله،ككلام الملائكة والجن والإنس.
وبوصف "المنـزل" يخرج من التعريف كلام الله غير المنـزل، إذ ليس كل كلام الله منـزلاً، وقد قال الله تعالى: ﭿ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭾ [الكهف: ١٠٩]، وقال أيضاً: ﭿ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃﰄ ﭾ [لقمان: ٢٧].
وبوصف "المنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم " يخرج من التعريف ما نزل على الأنبياء السابقين من الكتب والصحف كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف، وقد أشار القرآن إلى هذا النـزول بقوله تعالى: ﭿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭾ [الشعراء: ١٩٣ – ١٩٤]، وأمثالها من الآيات الكثيرة.
أما وصف "المتعبّد بتلاوته": فهو يعني أنه مجرد تلاوة القرآن تعتبر عبادة مقرّبة إلى الله عز وجل، سواء أكان ذلك في الصلاة أم في غيرها.
ويخرج بهذا الوصف من التعريف القراءات القرآنية الشاذة والأحاديث القدسية على فرض أنها منـزلة من عند الله بألفاظها، كما تخرج الأحاديث النبوية الشريفة.. ومن باب أولى أن يخرج الحديث القدسي إن قلنا أنه منـزل بمعناه فقط دون لفظه.
"انقسام القرآن إلى سور وآيات"
يضم القرآن الكريم أربع عشرة ومائة سورة تبدأ بسورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس، وأطلق على لفظ "السورة" على الآيات المجموعة من القرآن، إمّا لعلوها وارتفاع مكانتها، وإمّا لتماسكها وترابطها مثل لبنات السور التي توضع متجاورة متماسكة، وإمّا لأنها حصن وحماية للرسول صلى الله عليه وسلم من دعوى الافتراء والكذب.
وأمّا في اصطلاح علماء القرآن، فتعرف السورة بأنها طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات فاتحة وخاتمة، وأقل ما اشتملت عليه السورة ثلاث آيات وقد تم تحديد السورة بدءاً ونهايةً بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.
ترتيب السوّر
الرأي الراجح في ترتيب السور جميعها في المصحف أن ذلك كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الترتيب الموجود في اللوح المحفوظ، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلقّن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل – عليه السلام - إيّاه على ذلك، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض كل عام على جبريل – عليه السلام - ما يجتمع عنده من القرآن على هذا الترتيب ثم عرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين.
معنى " الآية " لغة واصطلاحاً
الآية في اللغة: العلامة الواضحة، ومنه سمّيت معجزات الأنبياء آية، لأنها علامة على صدقهم، وسميت العبرة آية لأنها علامة على معاني العظة والاعتبار، أما الآية في الاصطلاح: فهي الوحدة العددية من السورة التي يوقف على آخرها، وتكون منقطعة لفظاً عما قبلها أو بعدها، وإن اتصلت معنى.
وقد سميت الجملة من القرآن آية، لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، أو علامة على ما تضمنته من أحكام وآداب، ونحوهما، أو علامة يفضي منها إلى غيرها كأعلام الطريق المنصوبة للهداية.
وقد تكون الآية حروفا مقطّعة، مثل " الم "، كما قد تكون كلمة واحدة مثل "مدهامتان" أو كلمات مهما بلغ عددها مثل آية الدّيـْن التي تعد آية واحدة على الرغم من طولها.
ترتيب الآيات
أما ترتيب الآيات في سورها فقد انعقد الإجماع على أن ذلك كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وبما عُلِمَ من تلاوته للقرآن بمشهد من الصحابة.
القرآن وحي من عند الله
أنزل الله القرآن على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقد انعقد الإجماع على أن القرآن الكريم جاء على لسان رسول عربي أميّ، كما قام الدليل على أن القرآن ليس من صنع محمد صلى الله عليه وسلم ولا هو مأخوذ عن أحد من البشر، وحيث ثبت ذلك ثبت أنه من عند الله تعالى.
آيات القرآن مكية ومدنية
تنقسم آيات القرآن إلى قسمين:
مكية: وهي في رأي الجمهور : ما نزل قبل الهجرة النبوية إلى المدينة.
ومدنية: وهي ما نزل بعد الهجرة.
وقد نظر العلماء في تصنيف المكي والمدني إلى الأغلب من آيات كل سورة، وإلاّ فإن بعض السور المدنية اشتملت على آيات مكية، وبعض السور المكية اشتملت على آيات مدنية، وقد عني العلماء بتفصيلات ذلك كله.
وأما من حيث الموضوعات: فقد ركزت الآيات المكية على الاعتقاد والإيمان والتوحيد، وذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة، والحديث عن النشأة الأولى للإنسان، ومراحل خلقه وصفاته وغرائزه، كما تحدثت عن الكون وما فيه من المخلوقات والآيات، وكذلك دعت إلى الأخلاق والفضائل العليا، وحاربت العادات الفاسدة التي كانت في الجاهلية.
وأما الآيات المدينة فقد تناولت موضوعاتها: الأحكام والتشريعات والعبادات والحدود والجنايات والمواريث ونظام الأسرة، والمعاملات، وقواعد الحكم والسياسة، والعلاقات كما عنيت بالحث على الجهاد في سبيل الله، ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، والكشف عن أحوال المنافقين.
وبعد.. فهذه لمحة موجزة، وفكرة خاطفة للتعريف بالقرآن، وأما التفاصيل الكثيرة فقد تكفّلت بها كتب علوم القرآن التي تناولت كل ما يتصل به من قريب أو بعيد، حيث ترك لنا علماؤنا كتباً أشبه بالموسوعات تناولت كل صغيرة وكبيرة، وكل شاردة وواردة، فمن أراد التفصيلات فليرجع إليها، ففيها الخبر اليقين.
|